في المساء، حين خفّ ضجيج المستشفى… عاد الاسم أوضح.


سليم.


جلس مرجان على السرير، ظهره مسنود، وعيناه في الفراغ.


“كان هناك شخص…”


قالها ببطء.


لم تقاطعه شفاء.


“كان يجلس معي دائمًا…”


توقف.


ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها خرجت دون إذن:


“وكان يزعجني.”


نظرت إليه شفاء:


“كيف؟”


أغمض عينيه.


“كان يفهمني أكثر مما يجب…”


توقف.


“وهذا… كان يزعجني.”




هذه المرة… لم تأتِ الذكرى كوميض،


بل كمشهد.


مقهى قديم.

طاولة خشبية.

كوبان من القهوة.


وسليم.


كان يضحك، يميل إلى الخلف، يرفع حاجبه بطريقة ساخرة:


“أنت لا تحبها… أنت مدمن عليها.”


في الذكرى، ردّ مرجان:


“وهل هناك فرق؟”


ابتسم سليم:


“نعم… الحب يهدّئك… هذا يدمّرك.”




تلاشى المشهد.


فتح مرجان عينيه ببطء.


“كنت أتحدث معه… عن فتاة.”


تصلّبت ملامح شفاء قليلًا.


“جوى؟”


نظر إليها.


الاسم… لم يعد فارغًا.


بل أصبح ثقيلاً.


“نعم…”


قالها كاعتراف.




جوى.


لم تظهر صورتها…


لكن أثرها كان في كل شيء.


في صوته حين نطق اسمها.

في الارتباك الذي تلاه.

في الصمت الذي ملأ الغرفة بعدها.


“كنت أحبها…”


قالها أخيرًا.


ثم أضاف:


“أو… كنت أظن ذلك.”


اقتربت شفاء قليلًا:


“ماذا حدث؟”


هزّ رأسه ببطء:


“لا أعلم…”


ثم همس:


“لكنني أعلم أنني فقدتها.”


صمت.


ثم بصوت أعمق:


“وأظن… أنني فقدت نفسي بعدها.”




مرت لحظات.


ثم قال فجأة:


“هل كان هناك شخص آخر؟”


نظرت إليه شفاء:


“من تقصد؟”


“في السيارة… معنا…”


وضع يده على رأسه بقوة.


“هناك شيء… حادث…”


تسارع تنفّسه.


“وصوت…”


توقّف.


ثم فجأة—


صرخة.


“مرجان!”


فتح عينيه بعنف.


تجمّد.


ثم قال بصوت مكسور:


“هذا صوته…”


نظرت إليه شفاء:


“صوت من؟”


نظر إليها…


“سليم.”




لم تقل شيئًا.


لكنه فهم.


ليس بالكلمات…


بل بما مرّ في عينيها.


شيء لم تقله… لكنه كان واضحًا.


“هو… هل…”


لم يستطع إكمالها.


لكن الإجابة… وصلت.


ليس من شفاء.


بل من داخله.




الصمت كان ثقيلًا.


عاد يستلقي ببطء.


نظر إلى السقف.


العالم كما هو…


لكن الآن…


هناك شقّ.


ومن خلاله…


بدأ الضوء يدخل.


مؤلمًا.


لكنه حقيقي.




وفي تلك اللحظة…


فهم شيئًا واحدًا:


هو لم ينسَ.


فقط…


لم يكن مستعدًا أن يتذكر.




لم تأتِ جوى إلى ذاكرته دفعة واحدة…


بل كضوءٍ خافت يتسلل من شقٍ صغير في جدارٍ قديم.


في تلك الليلة، لم يستطع مرجان النوم.


كان مستلقيًا، يحدّق في السقف، بينما كانت الأفكار تتحرك داخله ببطء…


كأنها تخشى أن توقظه تمامًا.


لكن اسمها…


لم يعد غامضًا.


جوى.




أغمض عينيه.


ولأول مرة…


ظهرت.


ذكرياته.


كانت تقف عند باب المكتبة.


هادئة.


لا تحاول لفت الانتباه…

ولا تحتاج إليه.


كانت تحمل كتابًا، تضمّه إلى صدرها،

كأنها تحمي شيئًا داخله… أو داخلها.


لاحظها لأنه… لم يستطع تجاهلها.


ليس لجمالٍ صارخ…

بل لسكينة غريبة.


اقترب دون أن يفكر.


“هل قرأتِ هذا؟”


أشار إلى الكتاب.


رفعت عينيها نحوه.


نظرة قصيرة…


ثم قالت بهدوء:


“مرتين.”


ابتسم:


“إذن… هل يستحق الثالثة؟”


ترددت لحظة.


ثم قالت:


“إذا كنت تبحث عن إجابة… لا.

إذا كنت تبحث عن نفسك… ربما.”


توقف.


لم تكن مجرد إجابة.


كانت… بداية.




أيام تتشكل.


لم تكن علاقتهما سريعة.


لم تكن صاخبة.


بل جاءت… بهدوء.


مقعد في المكتبة أصبح لهما.


حديث يبدأ عن الكتب…

وينتهي عند أشياء لا علاقة لها بها.


كانت تستمع أكثر مما تتكلم.


وحين تتكلم… تختار كلماتها بعناية،

كأنها تخشى أن تجرح شيئًا لا يُرى.




في أحد الأيام، قال لها:


“أنتِ مختلفة.”


ابتسمت بخفة:


“وأنت تقول ذلك كأنه أمر جيد.”


“هو كذلك.”


نظرت إليه طويلًا.


ثم قالت:


“الاختلاف… لا يكون دائمًا نعمة.”


لم يفهم يومها.


لكنه سيفهم لاحقًا.




كان المساء هادئًا.


جلسا في المقهى المعتاد.


لكن شيئًا في صمتها… كان مختلفًا.


قال:


“ما بكِ؟”


هزّت رأسها:


“لا شيء.”


لكنه أصر:


“جوى…”


تنهدت.


ثم نظرت إليه…


نظرة لم يعهدها.


“مرجان… هل فكرت يومًا… أن هذا لن يستمر؟”


ابتسم بخفة:


“كل شيء ينتهي يومًا.”


قالت:


“أنا لا أتحدث عن يومٍ بعيد… بل عن قريب جدًا.”


اختفت ابتسامته.


“لماذا؟”


ترددت.


ثم قالتها… ببساطة:


“لأنك لست مثلي.”




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة مؤثرة من الحرب: “أنا مخبّيها” – حكاية أخ حمى أخته من الخوف

حين يتحول الطموح إلى واقع

آخر رسالة من تحت الركام