آخر رسالة من تحت الركام
كان صباح خالد دائمًا يبدأ بنفس الأشياء.
أصوات العصافير على الحافة الحجرية للنافذة. رائحة الخبز قادمة من الفرن الذي يبعد منزلهم عنه ثلاثة منعطفات. وضحك إخوته الصغار وهم يتشاجرون على الحذاء قرب الباب قبل المدرسة. لم يكن يعتبر هذا سعادة، ببساطة لأنه لم يتخيل يومًا أن هذه الأشياء العادية يمكن أن تُسرق.
كان يساعد والده في محل الخضار منذ أن كان في الرابعة عشرة. ليس اضطرارًا، بل لأنه كان يحب تلك الساعات الهادئة معه، حين يرتّبان الطماطم معًا ولا يتحدثان كثيرًا. كان يكفيه أن يكون بجانبه. وفي المساء كان يجلس مع أمه ويحكيها عن أحلامه. لم تكن أحلامًا كبيرة. أراد فقط أن يعيش بهدوء، بعيدًا عن أي صخب.
ما كان يعرف أن الهدوء نفسه سيصبح حلمًا بعيد المنال.
جاءت الأحداث ببطء في البداية، كما تأتي العاصفة حين تظن أنها مجرد سحاب عابر.
مظاهرات. ثم أصوات. ثم رصاص في الأزقة. ثم أصبح القصف جزءًا من اليوم كما الفجر والمغرب، شيء تنتظره وتخاف منه وتحسب حسابه. كل انفجار كان يضرب شيئًا في داخل خالد قبل أن يضرب الجدران. الشارع الذي حفظ كل حجارته صار ركامًا. والنافذة التي كان يسمع منها ضحك الجيران صارت مجرد ثقب أسود في جدار متشقق.
تغيّر وجه الحي. ثم تغيّر وجه الناس. ثم بدأ الناس يختفون.
في ذلك اليوم، كان القصف قد توقف منذ ساعات حين قرر خالد مع أصدقائه أن يبحثوا عن أحياء تحت أنقاض بناية انهارت في الحي المجاور.
لم يكن معهم شيء. لا معدات ولا خوذات ولا حتى قفازات. فقط أياديهم وإصرار لا يعرفون من أين يأتي. شيء في الإنسان يرفض أن يصدق أن لا أحد بقي على قيد الحياة، حتى حين يرى بعينيه حجم الخراب.
ساعات والغبار لا يتوقف عن الدخول في الحلق. الأحجار ثقيلة والشمس لا ترحم. ثم، في لحظة وسط كل ذلك الصمت الثقيل، سمع خالد شيئًا.
بكاء. خافت جدًا. كأنه يأتي من مكان بعيد تحت الأرض.
توقف الجميع دفعة واحدة.
صرخ خالد وصوته يكسر الهواء: “في حدا هون! استمروا!”
حفروا. وحفروا. والعرق يختلط بالغبار على وجوههم. حتى ظهرت يدٌ صغيرة.
كانت طفلة. ست سنوات أو ربما أقل. مغطاة بالتراب الأبيض من رأسها حتى أصابعها، وعيناها الواسعتان تنظران حولها بشيء بين الخوف والدهشة، كأنها لم تصدق بعد أنها خرجت.
نظرت إلى خالد.
ابتسم لها بخجل طفلة لا تعرف أين هي.
ثم سألت بصوت مرتجف لم يكد يُسمع:
“وين ماما؟”
لم يتكلم خالد.
لم يكن لأنه لم يجد الكلمات، بل لأنه وجد الجواب وعرف أنه لا يستطيع قوله. الحرب أخذت أمها، كما أخذت قبلها وبعدها الكثيرين. وصمته في تلك اللحظة كان أصعب شيء فعله في حياته.
في تلك الليلة، جلس وحده في زاوية مظلمة من أزقة الحي. الهاتف في يده وشاشته الصغيرة تضيء وجهه في الظلام. كتب رسالة قصيرة. ربما لم يكن يعرف لمن يكتبها. ربما كان يكتبها لنفسه. أو للعالم الذي لم يسمعهم.
كتب:
“إذا صار لي شي، قولوا للعالم إنه نحن كنا نحاول نعيش… بس الحرب كانت أقوى.”
بعد أيام، أثناء محاولة إنقاذ أخرى، انهار المبنى.
خالد وأصدقاؤه لم يخرجوا.
حين انقشع الغبار ووجد أحدهم الهاتف بين الأنقاض، كانت الرسالة ما زالت على الشاشة. كأن الهاتف أمسك بها بيديه ورفض أن يتركها تضيع.
قرأها المتطوع بصوت مرتعش. ثم أعادها. ثم لم يتكلم لفترة طويلة.
انتشرت القصة في الحي، ثم خرجت منه. صار اسم خالد يُذكر بين الناس، لا كبطل أسطوري، بل كشاب عادي أراد أن يعيش بهدوء ولم يستطع، لكنه اختار في آخر أيامه أن يحفر بيديه لإنقاذ من يستطيع.
ربما هذا هو أصعب نوع من الشجاعة. ليس الشجاعة التي تأتي من القوة، بل التي تأتي رغم الخوف، رغم معرفة الخطر، رغم أن القلب يرتجف والأيدي ترتجف معه.
لا أحد يعرف كم من هؤلاء الشباب مروا بما مر به خالد.
كم رسالة بقيت في هواتف لم يعد أصحابها هنا ليرسلوها. كم طفلة سألت عن أمها ولم تجد جوابًا. كم صباح بدأ بأصوات عصافير وانتهى بصوت انفجار.
لم يسمع العالم معظم هذه القصص.
لكنها حدثت. وبقيت محفورة في قلوب من عاشوها، عميقة كالجرح الذي لا يُرى لكن يحس دائما .😔😔😔😔

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليق لتشجيعنا