رسالة من العدم

                رسالة من العدم


في السادس عشر من كانون، ذاك الشهر الذي يلفّ المدينة بعباءته الرمادية، ويملأ الأزقة برائحة المطر والحنين، بينما كنت أُقاوم برودة الصباح بكوب قهوة بارد ونصف ابتسامة، وافتني رسالة غريبة.


كانت السماء توحي بأن شيئًا غير مألوف على وشك الحدوث. جلست في مكتبي المُنطفئ الأضواء، تعبًا من يوم طويل، حين سقط الظرف أمامي كأنه نُسج من سحابة داكنة.


نظرت إليه بعينين أرهقهما التكرار، وكان العنوان بارزًا كصرخة: "أنت المقصود."


تجمدت ابتسامتي في ملامحي. هل هي مزحة متأخرة؟ أم أنها مفتاح لبابٍ لا أعرف إن كنت أرغب بفتحه؟


لكن، ما إن فتحت الرسالة حتى هبّت منها رياح باردة، كأن كانون نفسه تسلل إلى أعماقي. الكلمات كانت معتمة، مشبعة بشيء بين الاعتراف والإنذار. لا اسم، لا عنوان، فقط وجع يتسلل بين السطور.


هل كنت أنا حقًا المقصود؟ أم أن الرسالة ضلّت طريقها لتفتح صدعًا في جدار عزلتي؟


صارت الأفكار تتزاحم في رأسي كضباب مسود  حين يغلف السماء . حملت معطفي الثقيل الذي حفظ ملامح المساء، وحقيبتي التي أصبحت فجأة أثقل من العادة، وجمعت أوراقي كأنني أهرب من شيء لم أفهمه بعد.


وغادرت المكتب، تاركًا خلفي مقعدًا دافئًا وهموم متراكمة .


دمشق

كانت صاخبة كعادتها، تعجّ بالحياة التي لا تتوقف، لكنها بدت لي هادئة على نحوٍ مريب، كأنها تواطأت مع الرسالة في صمتها. كنت أسير بين أزقتها العتيقة، تلك التي نزعت عنها ثوب الياسمين واستبدلته بعبق الخوف والذكريات، غارقًا في أفكاري المتشابكة 

وها هي الشوارع التي اعتادت أن تهمس للحالمين، صمتت، وبدت أبواب البيوت العتيقة كأنها تراقبني. دمشق لم تكن كما عرفتها، كانت تشبه وجهًا مألوفًا تغيرت ملامحه فجأة.


من تكون صاحبة الرسالة؟

وأي قلب هذا الذي يحمل كل هذا العذاب؟

هل أنا السبب؟

هل كنت أعمى بعشقي لجوى حتى لم ألحظ من حولي؟

هل ارتكبت جريمة دون أن أدرك؟

كثير من التساؤلات حولي تلتف وأفكار تحاصرني كجدران حارة معتمة، تزداد ضيقًا كلما حاولت الهروب. وفجأة، قطعت صرير فرامل سيارة شرودي. التفتُّ… لكن فوات الأوان كان أسرع منّي.


ارتطم جسدي بالأرض، وارتجّ العالم من حولي.

آخر ما رأيته كان ظلَّ دمشق يتماوج فوق رأسي، كأنها تحاول أن تهمس لي بسرّ الرسالة… 



شفاء :

ركضتُ باتجاه الحشد المتجمهر وسط الطريق، بينما صوت صفارات الإنذار يقترب سريعًا، يقطع سكون الليل بشراسة. هناك، على الإسفلت البارد، كان جسد مرمي كدمية مكسورة، وحول جسده علامات عجلاتٍ توقفت متأخرة جدًا.


كان المطر يهطل خفيفًا، لكنه بدا كأنه يبكي عليه. اقتربت أكثر، وقلبي يرتجف. كان شابًا في أواخر العشرينات، ملامحه منهكة، كثيف اللحية، كأن الحياة سحبت منه لونه وتركته باهتًا، حزينًا. رغم جروحه الخفيفة، والدماء التي تسيل من جبينه، إلا أن شيئًا في وجهه كان موجعًا أكثر من كل إصاباته.


فجأة، ومع اقتراب سيارة الإسعاف وتوقفها بجواره، سمعته يهمس بصوت مخنوق، كمن يغرق في كابوس:

"سليم... سليم، لا تتركني..."


تجمدت. من سليم؟ ابنه؟ أخوه؟ صديقه؟!

الصوت كان خافتًا، بالكاد مسموعًا، لكنه خرج من داخله كصرخة من الماضي، كأنه ينادي أحدًا رحل ولم يعد.


المسعفون هرعوا إليه، وأحدهم وضع قناع الأكسجين على وجهه بينما الآخر حاول قياس نبضه. تراجعتُ قليلًا، لكنني لم أستطع المغادرة. نظرتُ إلى وجهه مجددًا... بدا كأنه لا يقاتل من أجل الحياة، بل من أجل ذاكرةٍ تنهشه.


حين رافقته في سيارة الإسعاف، جلست إلى جانبه، أحاول التماسك. صوت الأجهزة يرن، وضوء أحمر يتقطع داخل السيارة. رأيت معطفه ملقى بجانبه، وفضول لا يمكن مقاومته دفعني للبحث في جيوبه.


وجدت الرسالة.

مبللة، مجعدة، ملفوفة كأنها تُخفي قلبًا لا كلمات.

فتحتها ببطء. قرأت سطرًا، اثنين... وحين وصلت إلى الثالث، شهقتُ، وانهمرت دموعي كما لم تبكِ عيوني منذ سنوات.


"أي عشقٍ هذا؟"


من هو مرجان؟

ومن يكون سليم؟

ولماذا شعرت أنني لا أُنقذ غريبًا... بل أبحث عني بين أنفاسه المتقطعة؟



لم أتركه. بقيت هناك، إلى جانبه، أراقب نبضه المتعب كما لو كنت أراقب قلبي نفسه يحاول أن يتذكر كيف يُحب من جديد.

كان ساكنًا، كأن الحياة تمهله لحظة قبل أن تعود إليه… أو تسحبه نهائيًا من بيننا.


وفجأة... تحرك.


فتح عينيه ببطء، كأن الضوء يؤلمه. رمش، ثم رمقني بنظرة مشوشة، نصفها امتنان، ونصفها تيه.


قال بصوت بالكاد خرج:

"الحمد لله... هل كنتِ من أنقذني؟"


سؤاله أربكني… لم أكن أعلم إن كنت أنقذته، أم تسرّبت إلى جرحٍ لم يلتئم بعد.

ابتسمت، ابتسامة لم أكن أعنيها تمامًا، وقلت:

"القدر هو من أحضرني إليك."


أومأ، شكرني بصمتٍ يليق بجندي خرج من معركة، لكنه لم ينتصر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة مؤثرة من الحرب: “أنا مخبّيها” – حكاية أخ حمى أخته من الخوف

حين يتحول الطموح إلى واقع

آخر رسالة من تحت الركام