ما لم يمت فينا الجزء الأول

 


مالم يمت فينا



الكاتب: عادل محمد





المقدمة



الاصطدام… لا يتوقف حين الحوادث تنتهي،

بل تبدأ.


هناك لحظات في حياتنا لا تتركنا كما كنّا،

لحظات لا يمكن التراجع عنها، ولا يمكن نسيانها،

حتى لو أقنعنا أنفسنا بذلك.


هذه ليست قصة حب،

ولا قصة فقد فقط…

بل حكاية إنسان ظنّ أنه نجا،

ليكتشف لاحقًا

أن النجاة ليست أن تبقى حيًا،

بل أن تستطيع أن تنظر إلى نفسك دون أن تهرب.


بين الذنب والغفران،

بين ما حدث… وما كان يمكن أن يحدث،

يولد السؤال الأثقل:


هل يمكن للإنسان أن يسامح نفسه؟

أم أن بعض الأخطاء… لا تُغفر، بل تُفهم فقط؟




في مساءٍ ثقيل من كانون، كان المكتب يبدو أضيق من عادته.


ليس بسبب الجدران…

بل بسبب الصمت.


جلس مرجان خلف مكتبه، محاطًا بأوراقٍ لا يقرأها، وأرقامٍ لا تعني له شيئاً. كانت الساعة على الحائط تواصل دقاتها، لكن الزمن بالنسبة له لم يكن يتحرك… بل يتكرر.


نفس اليوم.

نفس التعب.

نفس الشعور الغامض بأن شيئاً ما ناقص… دون أن يعرف ما هو.


مرّر يده على وجهه، ثم عاد يحدّق في الورقة أمامه، كأن الإجابة قد تظهر إن أطال النظر.


لكنها لم تظهر.


طرقة خفيفة على الباب.


دخل عامل البريد، دون أن ينتظر إذنًا كاملًا.


“رسالة.”


وضعها أمامه، ثم غادر.


ببساطة.


كأنها شيء عادي.


لكنها لم تكن.


بقي الظرف على الطاولة، ساكنًا… لكنه لفت انتباهه بطريقة لم يستطع تجاهلها.


بعد لحظات، مدّ يده إليه.


كان ورق الظرف خشنًا قليلًا، بلونٍ باهت، كأنه مرّ بيدٍ متعبة قبل أن يصل إليه.


قلّبه.


لا اسم مرسل.

لا عنوان.

فقط اسمه… مكتوب بخطٍ غير مستقر.


شعر بشيءٍ خفيف ينقبض في صدره.


ذلك الشعور الذي يسبق التذكّر…

أو الخوف منه.


فتح الظرف ببطء.


ليس ترددًا… بل حذرًا.


كانت الورقة في الداخل مطوية بعناية، كأن كاتبها حاول أن يسيطر على شيء داخله… ولم ينجح تمامًا.


فتحها.


“أنت المقصود…

حتى لو تظاهرت بالنسيان.”


توقف.


لم يرمش.

لم يتحرك.


فقط… قرأها مرة أخرى.


ثم مرة ثالثة.


شيء ما في الجملة كان خاطئًا.


أو… صحيحًا أكثر مما يجب.


ضحك بخفوت، ضحكة قصيرة بلا روح:


“مزحة سيئة.”


قالها بصوت مسموع، كأنه يحتاج أن يسمعها ليصدقها.


لكن صوته لم يقنعه.


أعاد قراءة الجملة.


هذه المرة ببطء.


كلمة… كلمة.


“حتى لو تظاهرت بالنسيان.”


تجمّدت أنامله.


النسيان؟


من قال إنني نسيت؟


رفع رأسه فجأة، ونظر حوله، كأن أحدًا يراقبه.


المكتب كما هو.

النافذة مغلقة.

الصوت الوحيد… عقارب الساعة.


لكن داخل رأسه…


لم يكن هناك صمت.


صوت خافت… بالكاد يُسمع.


ضحكة بعيدة.


كلمة لم تكتمل.


وجه… لم يظهر.


وضع يده على جبينه، وضغط بقوة.


“كفى.”


همس بها.


لكن الصوت لم يتوقف.


“أنت تعرف…”


فتح عينيه بسرعة.


تنفّس بعمق.


ثم نهض.


بشكل مفاجئ.


سقط الكرسي خلفه بصوت حاد، لكنه لم يلتفت.


لم يعد يستطيع البقاء.


المكان… ضاق عليه فجأة.


ارتدى معطفه بسرعة، التقط مفاتيحه، وغادر المكتب دون أن ينظر خلفه.




في الخارج، كان الهواء باردًا، لكنه لم يشعر به.


المدينة تعج بالحياة.


سيارات، أصوات، أضواء…


لكن كل ذلك بدا بعيدًا.


كأنه يمشي داخل طبقة زجاجية تفصله عن العالم.


أخرج الرسالة من جيبه.


نظر إليها تحت ضوء الشارع.


“من أنتِ؟”


قالها هذه المرة بوضوح.


لم يجب أحد.


لكن قلبه… بدأ يسرع.


خطوة… ثم أخرى…


دون اتجاه.


“حتى لو تظاهرت بالنسيان…”


توقّف فجأة.


صورة خاطفة.


يد تمسك بيده.


صوت أنثوي:


“لا تتركني هكذا…”


اختفت.


شهق بقوة.


“من…؟”


حاول أن يتذكر.


لكن الفراغ عاد.


أقسى من قبل.


ضغط على رأسه.


“أنا لم أنسَ…”


لكن صوته كان ضعيفًا.


مترددًا.




ثم…


صرير فرامل.


ضوء أبيض انفجر أمامه.


لم يتحرك.


لحظة واحدة فقط…


كانت كافية.


سقط.




لم يكن الصوت هو أول ما وصل…


بل الفراغ الذي تبعه.


لحظة قصيرة، انقطع فيها كل شيء، كأن المدينة حبست أنفاسها فجأة، ثم…


صرير حاد مزّق الشارع.




التفتت شفاء.


كان الناس قد بدأوا يلتفتون أيضًا، لكنهم توقفوا عند حدّ النظر.


أما هي… فتقدمت.


السيارة توقفت على مسافة قصيرة، والمصابيح ما زالت مشتعلة، ترمي ضوءًا أبيض باردًا على جسدٍ ملقى على الأرض.


كان ثابتًا.


بشكل غير طبيعي.


تسارعت خطواتها.


لم تفكر.


لم تسأل.


ركعت بجانبه.


رجل في أواخر العشرينات، ملامحه مرهقة، كأن التعب لم يكن طارئًا عليه، بل قديمًا ومستقرًا فيه.


كان هناك جرح خفيف عند صدغه، وخيط دمٍ رفيع يسيل ببطء.


لكن وجهه…


كان هادئًا.


هادئًا على نحوٍ أربكها.


مدّت يدها إلى عنقه.


نبض.


ضعيف… لكنه موجود.


تنفست بعمق:


“لا يزال هنا…”


رفعت رأسها نحو السائق الذي كان يقترب مرتبكًا:


“اتصل بالإسعاف!”



بدأت الأصوات تعود.


همسات.


حركة.


ضجيج.


لكنها بقيت معه.


كأن كل شيء خارج هذه الدائرة لم يعد مهمًا.


حين وصلت سيارة الإسعاف، ابتعدت خطوة واحدة فقط… ثم عادت واقتربت.


راقبتهم وهم يرفعونه، يثبتون رأسه، يضعونه على الحمالة.


ولسببٍ لم تفهمه… صعدت معهم.




في المستشفى، بدا كل شيء أبيض أكثر من اللازم.


الجدران.

الضوء.

حتى الوقت.


جلست في الممر، يداها متشابكتان، تحدّق في الأرض.


كانت تستطيع المغادرة.


لم يكن هناك ما يلزمها بالبقاء.


لا اسم تعرفه.

لا علاقة تربطها به.


لكنها لم تتحرك.


بعد وقتٍ لم تستطع تقديره، خرج الطبيب.


“هو بخير نسبيًا. ارتجاج بسيط… سيستعيد وعيه.”


أومأت برأسها.


شعرت بشيء خفيف ينفكّ داخلها…

لم تكن تعرف أنه كان مشدودًا أصلًا.


“هل أنتِ من أقاربه؟”


ترددت لحظة، ثم قالت:


“لا… لكن لا أحد معه.”


نظر إليها الطبيب قليلًا… ثم أومأ ومضى.




دخلت الغرفة.


كان مستلقيًا، ساكنًا، موصولًا بأجهزة لا تصدر إلا أصواتًا خافتة.


اقتربت.


وقفت بجانبه.


نفس الهدوء الذي رأته في الشارع…

لكن هذه المرة… كان أوضح.


كأن الرجل لم يُفاجأ بالسقوط…

كأنه… كان يقترب منه.


جلست.


دون أن تقرر.


وقعت عيناها على كرسي بجانبه، عليه معطفه… وحقيبة جلدية.


ترددت.


“سأبحث عن هويته فقط.”


قالتها بصوت منخفض.


لكن يدها لم تتجه نحو الجيب…

بل نحو الحقيبة.


فتحتها.


أوراق.

قلم.

دفتر صغير.

وظرف.


توقفت.


نفس الظرف.

نفس اللون الباهت.


سحبته ببطء.


شيء ما في داخلها قال:


“لا تفتحيه.”


لكنها فتحته.




الورقة في الداخل كانت مجعدة، وكأنها فُتحت وأُغلقت مرات كثيرة.


قرأت:


“لم أعد أحتمل أن أراك تمضي وكأنني لم أكن.

كيف استطعت أن تنجو… وتتركني هناك؟”


تغيرت ملامحها.


هذه ليست رسالة عادية.


قلبت الورقة.


لا اسم.


لكن في الأسفل…


حرف واحد:


(ج)


همست دون وعي:


“جوى…”


رفعت نظرها نحوه.


“من أنت…؟”


صمت.


لكنها شعرت أن الجواب… موجود.


ليس هنا.


بل في مكانٍ ما… يحاول هو نفسه الهروب منه.

تحرّك.


التفتت بسرعة.


أصابعه ارتعشت قليلًا… ثم جبينه.


اقتربت.


فتح عينيه ببطء.


نظر إلى السقف أولًا…

ثم إلى الضوء…

ثم… إليها.


توقّف.


كأن وجهها كان أول شيء حقيقي يراه.


قال بصوتٍ مبحوح:


“هل… أنا حي؟”


ابتسمت بخفة:


“إلى حدٍ ما.”


أغمض عينيه لحظة… ثم فتحهما مجددًا.


“أين أنا؟”


“في المستشفى.”


صمت.


ثم قال:


“أظن… أنني كنت أمشي.”


ترددت.


“كنت تعبر الشارع.”


أومأ ببطء.


ثم نظر إليها مجددًا:


“وأنتِ…؟”


“كنت هناك.”


كأنه يحاول ربط شيء ما.


“اسمك؟”


“شفاء.”


تكررت الكلمة في داخله… بهدوء.


“أنا…”


كأن الاسم لم يعد جاهزًا.


ثم قال:


“مرجان.”


لكن طريقته… لم تكن واثقة.


“هل أنت بخير؟”


وضع يده على رأسه.


“أنا… أعرف أشياء…”


توقف.


“لكن هناك شيء… ناقص.”


نظرت إليه بصمت.


ثم قالت:


“هل تعرف من هي جوى؟”


تجمّد.


الاسم سقط داخله كحجر في ماءٍ ساكن.


دوائر…

ألم…

فراغ.


أغمض عينيه بقوة:


“لا…”


ثم بصوت أضعف:


“لكن… يجب أن أعرف.”


رفعت شفاء نظرها إليه.


وفي تلك اللحظة…


فهمت شيئًا واحدًا فقط:


هذه القصة… لم تبدأ الآن.


بل عادت.

استيقظ مرجان في صباحٍ باهت، والضوء يتسلل إلى الغرفة كضيفٍ غير مرحّب به.


فتح عينيه ببطء، وكأنهما تحملان ثقلًا لا يُرى.


السقف كما هو.

الأجهزة كما هي.


لكن داخله… لم يكن كذلك.


كان يعرف اسمه.

مرجان.


ويعرف أنه يعيش… يتحرك… في هذا العالم.


لكن خلف هذه المعرفة… كانت هناك فجوة.


فراغٌ واسع… غير محدد.


كأن جزءًا من حياته قد مُسح،

لا لأنه غير مهم…

بل لأنه كان أكثر مما يُحتمل.


رفع يده إلى رأسه.


الألم لم يكن حادًا…

بل مستمرًا.


كفكرةٍ لا تريد أن تُنسى.


فُتح الباب بهدوء.


دخلت شفاء.


كانت تحمل كوب قهوة، لكنها لم تتكلم فورًا.


وضعت الكوب على الطاولة، ثم نظرت إليه…

تراقب ملامحه، كأنها تقرأ شيئًا غير مكتوب.


“كيف تشعر؟”


تردد.


ثم قال:


“كأنني… أستيقظ في حياة ليست كاملة.”


جلست.


“ماذا تقصد؟”


نظر إلى يديه.


“هناك أشياء… أعرفها، وأشياء أشعر بها… لكن لا أراها.”


رفع عينيه إليها:


“كأنني فقدت شيئًا مهمًا.”


صمتت شفاء لحظة.


ثم قالت بهدوء:


“أحيانًا العقل… لا ينسى، بل يحمي.”


نظر إليها.


بقيت الجملة…


لكن الشقوق بدأت.




مرت لحظات من الصمت.


ثم فجأة…


صوت.


ضحكة.


واضحة.


قريبة.


رفع رأسه بسرعة.


نظر حوله.


لا أحد.


“هل سمعتِ ذلك؟”


هزّت رأسها:


“ماذا؟”


وضع يده على جبينه.


“ضحكة…”


توقف.


ثم همس:


“كانت مألوفة…”


أغمض عينيه.




بدأت…


صورة.


غير مكتملة.


مقهى.

ضوء شمس.


شخص يجلس أمامه.


ثم صوت:


“أنت تبالغ في التفكير يا رجل.”


فتح عينيه فجأة.


تنفس بسرعة.


“من…؟”


همس بها.


كان يعرف…


لكن لا يستطيع الوصول.


ثم…


الاسم عاد.


سليم.




إذا أعجبتك هذه القصة، فانتظر ما هو قادم في الجزء الثاني… فبعض الحكايات لا تنتهي هنا، بل تبدأ من حيث انتهى الصمت.






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لحظة صمت بعد الضحك

طارق بن زياد فارس الاسلام الذي فتح الاندلس

قصة مؤثرة من الحرب: “أنا مخبّيها” – حكاية أخ حمى أخته من الخوف