عيدٌ بقلوب بعيدة وأرواحٍ مفقودة
العيد جاء هذه السنة بهدوءٍ غريب، كأنه يطرق الأبواب بخجل. في شوارع المدينة البعيدة، كانت الزينة معلّقة، والأضواء تلمع، والناس يبتسمون… لكن في قلبه، كان هناك شيء ناقص لا يُرى.
استيقظ باكرًا، ليس لأن الفرح أيقظه، بل لأن النوم لم يزره أصلًا. فتح هاتفه، فتدفقت الرسائل: “عيد مبارك”. ابتسم ابتسامة صغيرة، وردّ بالمثل، ثم توقّف قليلًا عند صورة قديمة… بيت بسيط، مائدة مزدحمة، وضحكات كانت تملأ المكان. مرّر إصبعه على الصورة كأنه يحاول أن يلمسها، أن يدخل إليها، أن يعيشها من جديد.
في الخارج، مرّت عائلة. طفل يركض أمام والده، وأم تناديه بلهفة. تبعهم بنظره حتى اختفوا، وشعر بشيء يضغط على صدره. ليس حسدًا… بل حنين. حنين موجع، كأن القلب يعرف جيدًا ما فقده.
لكن هذا العيد لم يكن فقط غربة… كان غيابًا أثقل من المسافة.
هناك أماكن في الذاكرة لا تزال محفوظة كما هي… مكان على الطاولة كان لا يخلو من أحد، صوت كان يبدأ صباح العيد بالدعاء، يد كانت تمتد بالعيدية، وضحكة كانت تجعل البيت يبدو أوسع مما هو عليه. اليوم، كل تلك التفاصيل موجودة… إلا أصحابها.
في كل عيد، كان هناك من يطرق الباب قبل الجميع… والآن، الباب لا يُطرق.
كان هناك من يملأ البيت حياة… والآن، الصمت يعرف الزوايا أكثر من البشر.
وقف طويلًا عند ذكرى من رحلوا. أولئك الذين لم يغتربوا… بل غابوا إلى الأبد. الذين لم يعد بالإمكان الاتصال بهم، ولا انتظار صوتهم، ولا حتى تخيّل عودتهم في زيارة مفاجئة. الغربة وجع… لكن الفقد وجع بلا أمل مؤقت.
تذكّر كيف كان العيد يكتمل بوجودهم، وكيف أصبح الآن ناقصًا مهما حاول أن يبدو كاملًا. بعض الغياب لا يُعوّض، ولا يُنسى، بل يُرافقك في كل مناسبة، في كل فرحة، كظلّ هادئ لكنه ثقيل.
جلس بصمت، ورفع يديه بالدعاء… ليس لنفسه فقط، بل لهم. لأولئك الذين تحت التراب، والذين ما زالوا يسكنون القلب. تمتم بكلمات بسيطة، لكنه شعر أنها تصل، بطريقة ما، إلى حيث هم.
ثم أدرك شيئًا مؤلمًا وجميلًا في آنٍ واحد…
أن العيد لم يعد فقط للفرح، بل صار أيضًا للذكرى.
للذين معنا… وللذين فقدناهم.
وأن القلب، رغم كل ما فيه من وجع، ما زال يتّسع للحب… حتى لمن لم يعودوا هنا


تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليق لتشجيعنا